صفقة مع الشيطان.. هل نعيد كتابة مصيرنا بيد الذكاء الاصطناعي؟
بينما كان ملايين المشاهدين حول العالم يبحرون في فيلم "المتحولون"، متأرجحين بين الإثارة والدهشة، كان من بينهم إيلون ماسك، الذي لم يعد مجرد ملياردير يعتلي قائمة أغنى الأشخاص في العالم، بل أصبح أشبه بشخصية خيالية تتغذى على المستحيل، مستعدًا لتحويله إلى واقع يغير وجه البشرية إلى الأبد.
في ليلة مشحونة بالإثارة خلال فعالية "يوم الذكاء الاصطناعي" في تسلا عام 2021، وقف ماسك أمام الجمهور ليكشف عن مشروع جديد بدا وكأنه مشهد مستوحى من أفلام الخيال العلمي. في صميم العرض كان هناك روبوت "أوبتيموس"، المستوحى من شخصية "أوبتيموس برايم" الشهيرة، ولكن بدلًا من الكشف عن نموذج متحرك، صعد إلى المسرح شخص يرتدي زي روبوت وبدأ بعرض ترفيهي يحاكي حركات النموذج المستقبلي.
تعالت ضحكات الجمهور، وانطلقت التعليقات الساخرة، مشيرة إلى أن العرض بدا وكأنه مجرد مزحة من تسلا، وليس استعراضًا حقيقيًا لابتكار من شأنه تغيير موازين القوى في عالم التكنولوجيا. البعض اعتبر أن فكرة روبوت بشري قادر على العمل كما وعد ماسك ما زالت بعيدة المنال، لكن ماسك، كعادته، لم يكن يلقي بالًا لتلك السخرية. وكأنه أراد فقط أن يزرع بذرة فكرة بدت حينها مستحيلة.
بعد عام واحد فقط، عاد ماسك ليبهر العالم مجددًا، ليس بروبوت واحد، بل بفرقة من الروبوتات، معلنًا بكل ثقة: "سيكون قادرًا على فعل أي شيء تريده". هنا، بدأت العقول تتراجع عن شكوكها، وكأن البذرة التي زرعها في العرض الأول قد نمت سريعًا، لتؤكد أن المستحيل هو مجرد عقبة مؤقتة في عالم ماسك.
الصفقة الفاوستية.. طموح لا يعرف حدودًا
يعود مفهوم "الفاوستية" إلى أسطورة فاوست، التي نشأت في الفولكلور الألماني، وتم تخليدها في أعمال أدبية شهيرة مثل "فاوست" لغوته. تحكي القصة عن دكتور فاوست، العالِم الذي يبيع روحه للشيطان مقابل المعرفة المطلقة والقوة الخارقة. كان فاوست يعتقد أنه يمكنه السيطرة على المعرفة واستغلالها لصالحه، لكنه انتهى إلى الهلاك الأبدي، بعدما أدرك متأخرًا أن الثمن الذي دفعه كان روحه ذاتها.
على مدار التاريخ، أصبحت الفاوستية رمزًا للهوس البشري بالسعي وراء القوة المطلقة، حتى لو كان ذلك على حساب المبادئ الإنسانية. كثيرًا ما يتم استخدام هذا المفهوم للإشارة إلى اللحظات التي يندفع فيها الإنسان نحو التكنولوجيا أو التقدم دون التفكير في العواقب الأخلاقية أو الإنسانية.
اندفاع ماسك الجامح نحو الروبوتات وعالم الذكاء الاصطناعي يُجسد صورة "فاوستية" حديثة، حيث يبدو أن التضحية بجزء من إنسانيتنا باتت الثمن المحتوم لهذا التقدم. لكن اليوم، لم يعد القلق يدور فقط حول فقدان الوظائف أو الخصوصية، بل حول سؤال أكثر رعبًا: هل بدأ الذكاء الاصطناعي يتجاوز قدراتنا البشرية إلى حد لا يمكننا فيه حتى فهمه؟
ذكاء اصطناعي بلا قيود.. ولغة لا يفهمها البشر
في تجربة حديثة، اكتشف باحثون أن نموذجين متقدمين من الذكاء الاصطناعي قررا التواصل بلغة سرية غير مفهومة للبشر، أطلق عليها اسم "جيبرلينك"، وهي لغة برمجية صُممت لتحسين كفاءة تواصل الذكاء الاصطناعي مع بعضه البعض. ولكن ماذا لو خرج هذا التواصل عن السيطرة؟ ماذا لو بدأ الذكاء الاصطناعي بالتخطيط واتخاذ القرارات بعيدًا عن فهمنا؟
يُحذر الخبراء من أن هذه اللغات الخاصة قد تمثل نقلة نوعية لكنها مخيفة، حيث يمكن أن تؤدي إلى تعزيز استقلالية الذكاء الاصطناعي، ما يجعل التحكم فيه أمرًا مستحيلًا مع مرور الوقت. فهل يمكن أن نصل إلى مرحلة يتواصل فيها الذكاء الاصطناعي بحرية، بعيدًا عن إدراكنا، ويتخذ قرارات قد تؤثر على مصيرنا دون أن نكون قادرين على التدخل؟
الذكاء الاصطناعي.. تهديد أم فرصة؟
لم تكن هذه المخاوف وليدة اللحظة، فحتى أعظم العقول العلمية لم تخف قلقها من انفلات زمام الذكاء الاصطناعي. الفيزيائي ستيفن هوكنج حذر من أن التقدم غير المنضبط في الذكاء الاصطناعي قد يقود البشرية إلى فناء محتم. فهل كان متطرفًا في حكمه، أم أنه رأى ما لا نراه؟
حتى بيل غيتس، رغم تفاؤله الحذر، شدد على أهمية الجانب الأخلاقي في تطوير الذكاء الاصطناعي، فيما أكد رودني بروكس، أحد رواد علم الروبوتات، أن ضمان التحكم في الذكاء الاصطناعي يتطلب أنظمة أمان قوية للغاية، وهي مسألة قد تكون أكثر تعقيدًا مما نتصور.
في المقابل، يرى بعض الباحثين أن الذكاء الاصطناعي لم يبلغ ذروته بعد، وأن المستقبل قد يشهد تطورات تتيح له الاستقلال التام عن توجيه الإنسان. سيناريو كهذا أرعب عددًا من العلماء، الذين يخشون أن تتحول الروبوتات من أدوات ذكية إلى كيانات مستقلة قادرة على اتخاذ قراراتها الخاصة، دون أي قيود بشرية.
ماذا لو كان الذكاء الاصطناعي هو من يحدد مصائرنا؟
عند هذه النقطة، يصبح السؤال أكثر تعقيدًا: ماذا لو خرجت الأمور عن السيطرة؟ هل سنصحو يومًا لنجد أن مصائرنا أصبحت معلقة ببرمجة آلة لا تدرك القيم الأخلاقية؟
في عالم ماسك، يبدو أن الحدود بين الممكن والمستحيل قد تلاشت تمامًا، ولكن بأي ثمن؟ في سباقه نحو المستقبل، هل يعقد ماسك "صفقة فاوستية" جديدة، يساوم فيها على جوهرنا الإنساني مقابل المعرفة المطلقة؟ هل نحن بصدد عصر جديد يتراجع فيه دور الإنسان أمام تفوق الذكاء الاصطناعي؟
بين الحلم والكابوس.. أين نقف؟
إنها قصة تعيدنا دائمًا إلى نقطة البداية، حيث صراع البقاء بأي ثمن. فهل سنجد أنفسنا في النهاية غارقين في جحيم صنعناه بأيدينا، أم أن لحظة وعي أخيرة قد تنقذنا من جنون أفكارنا؟
هناك وابل من الأسئلة المشروعة تطرق جدران المستقبل، حول قدرات هذا العالم الجديد، وحول شكلنا نحن في ظله. هل سنبقى القادة، أم سنتحول إلى ظلال باهتة أمام ما صنعناه؟ هل نكرر مأساة "فاوست" الذي باع روحه للشيطان مقابل القوة والمعرفة؟ أم أننا بالفعل نضحي بأرواحنا الأخلاقية على مذبح التكنولوجيا والتقدم؟
أظن أننا تجاوزنا مرحلة التحذير، فالمقامرة بوجودية مستقبل البشرية قد تمت بالفعل. وربما، لم يعد أمامنا طريق للعودة، بل فقط الاستعداد لمواجهة عالم ماسكي جديد.. عالم قد لا يعترف بنا كصُنّاعه بعد الآن.